ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

248

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

تعالى « اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ( 1 ) » ويحك يا نفس إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوتك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشدة عقابه أفتظنين أنك تطيقين عذابه هيهات جربي نفسك إن ألهتك عن النظر إلى أليم عقابه فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمام أو قربي إصبعك من النار ليبين لك قدر طاقتك أم تغترين بكرم الله تعالى وفضله واستغنائه عن طاعتك وعبادتك فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك فإذا قصدك عدو فلم تستنبطين الحيل ولا تكلينه إلى كرم الله تعالى وإذا أرهقك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي إلا بالدينار والدرهم فما لك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من وجوه الحيل فلم لا تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثرك على كنز أو يسخر عبدا من عبيده فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك ولا طلب أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها وأن رب الدنيا هو رب الآخرة وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . ويحك يا نفس ما أعجب نفاقك ودواعيك الباطلة فإنك تدعين الإيمان بلسانك وأثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل لك سيدك ومولاك وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ( 2 ) وقال في أمر الآخرة وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 3 ) فقد تكفل لك بأمر الدنيا خاصة فكذبته بأفعالك وأصبحت تتكالبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر ووكل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ما هذا من علامة الإيمان .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء آية 261 . ( 2 ) سورة هود آية 6 . ( 3 ) سورة النجم ( 53 ) آية 39 . ( 4 ) المستهتر : الذي لا يبالي بما يفعل من القبيح وبما قيل فيه . التكالب : شدة الحرص والآخذ كما يأخذ الكلاب بعضها من بعض .